الأزمة اليمنية

صحيفة بريطانية: اليمن حرب معطلة وسلام مؤجل واقتصاد منهار

احتفل الحوثيون بذكرى سيطرتهم على الدولة اليمنية في صنعاء وعدد من المحافظات، أحيا كثير من اليمنيين ما وصفوه بيوم النكبة التي بدأت معها الحرب اليمنية وتداعيات الانقلاب التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

مليشيات الحوثي الارهابية

حفظ الصورة
وكالة أنباء حضرموت

استطاع الحوثيون أن يهووا باليمن في سبع سنوات نحو القاع، لتسجل البلاد أدنى المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بينما تسير ببطء نحو التأسيس لدولة دينية تدعمها إيران ويرفضها اليمنيون كما ترفضها القوى الإقليمية والدولية. وهو ما يجعل التكهن بمستقبل اليمن صعبا في ظل الأوضاع الحرجة على الأرض.

وجاءت الذكرى الثامنة لاجتياح الحوثيين لصنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر، في ظل حالة ضبابية تلف المشهد اليمني ومفترق طرق بين سلام هش ومرحلة جديدة من الحرب.

وفيما احتفل الحوثيون بذكرى سيطرتهم على الدولة اليمنية في صنعاء وعدد من المحافظات، أحيا كثير من اليمنيين ما وصفوه بيوم النكبة التي بدأت معها الحرب اليمنية وتداعيات الانقلاب التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

ويؤكد مراقبون أن اليمن يعيش بعد سبع سنوات من الانقلاب الحوثي واقعا شديد الانقسام، ويصعب التكهن بمآلاته، في الوقت الذي يستعرض فيه الحوثيون قوتهم ويلوحون بالمزيد من العنف، فيما يسعى المجتمع الدولي لوضع حد لواحدة من أسوأ الازمات الإنسانية في العالم.

تفاعلات تاريخية

ثابت الأحمدي: جماعة الحوثي أوصلت اليمن إلى وضع سيء جدا

يربط خبراء يمنيون بين حال اليمن الراهن وبين التفاعلات التاريخية التي مرت بهذا البلد الذي أدمن الصراعات السياسية والجهوية. ويؤكد الباحث اليمني ثابت الأحمدي في تصريح لـ”العرب” أن واقع اليمن اليوم يشبه واقع اليمن نهاية القرن الهجري الثالث، حين قدم يحيى حسين الرسي من الحجاز إلى صعدة، فارا من الدولة العباسية، وفيها أسس نظريته الكهنوتية التي اعتنقها أبناؤه من بعده، ولا يزالون.

ويشير الأحمدي إلى وجود تشابه في الأوضاع التي يعيشها اليمن اليوم مع ظروف تاريخية مشابهة على الصعيد الاجتماعي والحروب الداخلية والاضطرابات ويضيف “خلال ثماني سنوات استطاعت الميليشيات الحوثية أن تُحكم قبضتها بالإكراه على مناطق سيطرتها، لا بأدواتها هي كعصابة، ولكن بأدوات الدولة التي سطت عليها، من جيش وأمن وإعلام ومال.. إلخ، بالتعاون مع بعض عملائها ومع بعض الذين سهلوا لها كثيرا من هذا الحضور. وهو حضور شكلي في حقيقته؛ لأن الشعب يغلي من قاعه، متذمرا من تصرفات وسلوكيات هذه الجماعة التي تبدو بدائية همجية، لا علاقة لها بالدولة ولا حتى بالإنسانية”.

ويتابع “في ما يتعلقُ بمنظومة القوى الاجتماعية والنخبة السياسية والثقافية الواقعة تحت سيطرتها، فحالها لا تحسد عليه؛ لأنه يصعب على أي تيار داخل الوطن اليوم مقاومة هذه الجماعة الكهنوتية وهي تمسك بمفاصل القوة، لأنها جماعة باطشة، لا تتصرف بمسؤولية تجاه أي معارضة، بل بوحشية، كما تتصرف أي عصابة، ثم إن أي مواجهة شعبية ضدها وإن كانت مسلحة تعتبر انتحارا لا شجاعة. وأيا كان فلن يطول هذا الصمت، وسيقول الشعب كلمته الفاصلة يوما ما، وإن أوهم الحوثيون أنفسهم بالبقاء طويلا في السلطة. فهي جماعة غير مرغوبة محليا أو إقليميا أو دوليا. وهي تدرك ذلك في قرارة نفسها، وإن تظاهرت بعكس ذلك”.

خارطة جامدة

وضاح العوبلي: لا تغيرات في خارطة المواجهة ما ينعكس لصالح الحوثي

عن واقع اليمن بعد ثماني سنوات من الانقلاب الحوثي وخصوصا على الصعيدين العسكري والأمني، يرى الباحث العسكري اليمني العقيد وضاح العوبلي أن واقع اليمن أصبح أكثر تعقيدا مما كان عليه، نتيجة الكثير من التراكمات والتعقيدات التي تسببت بها القوى المسيطرة على قرار الشرعية منذ العام 2015 ومازالت، وهي من كبحت معارك وتحركات حاسمة ضد ميليشيات الحوثي التي تعزز من تماسك سلطتها يوما بعد يوم.

ويضيف “لقد كان واضحا للجميع أن هناك قوى عملت على خلق كل الظروف التي انعكست سلبا على واقع المعركة وحولت الشرعية إلى قطاع استثماري خاص، وتناست الأهداف الرئيسية للمعركة وحولت الأسلحة التي قدمها التحالف لاستعادة صنعاء إلى معاركها الجانبية الخاصة”.

ويشير العوبلي في تصريح لـ”العرب” إلى أن الحوثيين استغلوا في المقابل هذه الأعوام الثمانية في خوض معاركهم المتعددة على الجانب العسكري والأمني والفكري والثقافي وبنشاط محموم ومتعدد الأوجه والمستويات، لفرض سلطة أمر واقع في مناطق سيطرته، فيما تبدو القوى الشمالية الأخرى متبلدة أمام هذا التجريف الخطير والممنهج.

ويتابع “لقد كان للمقاومة الجنوبية والتي تم تأطيرها لاحقا في قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات العمالقة الجنوبية دور فاعل في تحرير المحافظات الجنوبية خلال وقت قياسي لم يتعد أشهر معدودة، فيما تبدو القوى والأحزاب الشمالية عاجزة أو متجاهلة لدورها التاريخي المناط بها في تحرير الكتلة السكانية الكثيفة التي تمثل في مجملها قواعد شعبية لتلك القوى والأحزاب”.

وحول رؤيته لخارطة السيطرة للقوى اليمنية بعد ثماني سنوات من الحرب، يؤكد العوبلي أنها تبدو متوقفة عند تلك النقاط التي كانت فيها مطلع عام 2016، “إذ لا وجود لأي تغير محوري على خارطة السيطرة في المحافظات الشمالية تحديدا، والتي تتوقف فيها قوى المقاومة في الأطراف التي لا تتجاوز سيطرتها فيها على بضع مديريات في تعز وأطراف الحديدة وشمال الضالع ومارب وحجة، وهذا ما عزز من حالة اليأس والاحباط الشعبي وهو ما ينعكس لصالح الحوثي”.

مشهد اقتصادي قاتم

في إطلالة على المشهد الاقتصادي اليمني بعد ثماني سنوات من الانقلاب الحوثي، يشير الخبير الاقتصادي اليمني عبدالحميد المساجدي في تصريح لـ”العرب” إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين العامين 2014 و2022 تغيّرت الكثير من ملامح اليمن وتراجعت مؤشراته الاقتصادية على كل الأصعدة، ابتداء من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة 47 في المائة من قيمته الحقيقية فقد سجل في العام 2020 نحو 21 مليار دولار مقارنة مع 43 مليار دولار في العام 2014، كما تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1640 في العام 2014 إلى 640 دولارا في العام 2022، ومعها تزايدت نسب الفقر والجوع والبطالة وانعدام الأمن الغذائي وتراجع نسبة الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات العامة، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية خاصة تلك المعنية بتقديم الخدمات العامة للمواطنين، مثل الطرقات والجسور والمدارس والمستشفيات العامة، بالإضافة إلى انهيار منظومة الكهرباء الوطنية، وتهالك محطات التوليد، وتزايد كلفة الإنتاج مع انقطاع الطرقات بين المدن، وتزايد حجم التأمين البحري على البضائع والسلع الواردة إلى اليمن.

ويؤكد المساجدي أن القطاع التجاري والصناعي يعاني من تزايد كفلة المواد الخام المستوردة وارتفاع حجم النسب الضريبية والجمركية المحصلة من أطراف الصراع والتي تدفع مرتين، إضافة إلى تدني حجم الحركة التجارية، وتزايد الجبايات والإتاوات المفروضة، وصعوبات الحصول على مصادر التمويل مع العزلة التي يعاني منها القطاع المصرفي اليمني، والذي هو الآخر واجه ظروفا قاسية وهزات عنيفة ابتداء من أزمة السيولة، وانهيار العملة الوطنية، وانقسام والصراع في السياسة النقدية، وتآكل في القروض والسلفيات وتعثر تحصيلها.

يعقوب السفياني: الحوثيون يتجهون إلى تثبيت أركان دولتهم الدينية بالقوة

وتخلف البنك المركزي اليمني عن الوفاء بالتزاماته تجاه القطاع المصرفي واحتجاز أكثر من اثنين تريليون ريال كانت كاحتياطيات قانونية أو استثمارات في أذون الخزانة والصكوك الإسلامية، وتم التصرف بها من قبل جماعة الحوثي، التي تصرفت كذلك بأموال وأرصدة صناديق التأمينات والمعاشات وحسابات المؤسسة العامة للتأمين الاجتماعي.

وتابع ”جرفت جماعة الحوثي الاقتصاد اليمني في مناطق سيطرتها فحاربت رؤوس الأموال الوطنية وضيقت عليها أنشطتها التجارية وجمدتها وفرضت عليها جبايات ونهبت مؤسساتها وأصولها، مستخدمة في ذلك مؤسسات الدولة التي سيطرت عليها وخاصة القضاء والنيابة العامة ووزارات الصناعة والأوقاف والشؤون الاجتماعية والمالية، كما استخدمت الأموال التي تحصلت عليها من سيطرتها على مؤسسات الدولة ومصادرة أصول بعض الشخصيات السياسية والتجارية والاقتصادية ووجهت تلك الأموال نحو إنشاء شركات تجارية جديدة تنشط في استيراد وتوزيع المشتقات النفطية والصرافة والمستشفيات والتعليم الخاص، والخدمات العامة، والعقارات والأراضي”.

وأضاف ”في كل الأحوال هناك قطاع تجاري جديد ناشئ تابع للحوثيين، وآخرون استطاعوا الصمود من خلال الانقياد لجماعة الحوثي وتسليم الجبايات المفروضة عليهم، أو مقاسمة الحوثيين رأس المال والأرباح”. ويرى الباحث اليمني يعقوب السفياني أن واقع اليمن اليوم بعد ثماني سنوات من الانقلاب غير متوقع حيث يسيطر الحوثيون المدعومون من إيران على جزء كبير من البلاد ويتجهون إلى تثبيت أركان دولتهم الدينية بالقوة وعبر فرض الأمر الواقع ضاربين بحقيقة انقلابهم على السلطة الشرعية عرض الحائط. وعرض صنعاء العسكري هو الأكبر بعد سلسلة عروض مشابهة في المدينة وفي الساحل الغربي لليمن حملت رسائل سياسية وعسكرية للداخل والخارج في ظل هدنة أممية دون ملامح واضحة.

ويلفت السفياني في تصريح لـ”العرب” إلى أن هذا العرض لا ينفصل عن سياق الضغط الحوثي على المبعوث الأممي والمجتمع الدولي لأجل الحصول على تنازلات في اقتراح الهدنة الموسعة الذي يسعى هانس غروندبرغ لتحقيقه قبل نهاية التمديد الحالي للهدنة في الثاني من أكتوبر. كما أن العرض من ناحية أخرى يمثل رسالة وجود حوثية تقول ها نحن موجودون بعد كل هذه السنوات وها هي دولتنا على أرض الواقع لديها جيش كبير.

وعن الصورة في معسكر المناوئين للحوثي، يتابع “بالمقابل هناك المجلس الرئاسي حديث العهد الذي ورث فشل وهزائم قيادة الشرعية اليمنية السابقة التي تتحمل جزءا كبيرا مما وصل إليه اليمن اليوم وما وصل إليه الحوثيون من قوة. لكن حتى هذا المجلس لا يبدو أنه موحد بشكل كامل فهو يعاني من تصدع داخلي بعد جملة من الأحداث التي شهدتها محافظات في الجنوب وجملة من التعيينات والتغييرات التي حدت من نفوذ حزب الإصلاح اليمني”.

عوامل خارجية

اليمن يعيش واقعا شديد الانقسام، ويصعب التكهن بمآلاته، في الوقت الذي يستعرض فيه الحوثيون قوتهم

يؤكد الباحث السياسي اليمني محمود الطاهر أنه نتيجة لعدم استكمال تحرير اليمن من التمدد الإيراني، والخضوع لضغوط المجتمع الدولي، بشأن الحسم العسكري، أوصل المجتمع الدولي فكرة خاطئة، أن لا حل عسكريا، إلى الأطراف اليمنية، وكان القصد من ذلك هو خدمة المشروع الإيراني على حساب اليمن ودول المنطقة. كان الحوثي خلال الثماني سنوات الماضية قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وبسقوطه يعني نهاية الحرب، إلا أن الأمم المتحدة كانت تتدخل بشكل مباشر والعمل على إنقاذه.

ويلفت الطاهر في تصريح لـ”العرب” إلى أن سياسة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الجديدة والمبعوث الأممي تسببت بعد ثماني سنوات من الانقلاب الحوثي في إعطاء شعور للميليشيات المدعومة من إيران بأنها المنتصر في هذه الحرب، وباتت تصعد عملياتها العسكرية، وتخرق الهدنة الأممية دون أن يحاسبها أحد، وهو ما يعني أن هناك ربما خطوات قادمة للاعتراف به من قبل المجتمع الدولي كشرعية تمثل اليمنيين.

عبدالحميد المساجدي: جماعة الحوثي جرفت الاقتصاد في مناطق سيطرتها

ويصف الطاهر الاحتفال العسكري الحوثي في صنعاء وقبلها في الحديدة، ومناطق أخرى، بأنه من الخروقات الكبيرة لاتفاق الهدنة الأممية، الذي منع كل أساليب التحشيد العسكري والاستعراض، وهو ما يؤكد أن الحوثي يرفض تنفيذ التزاماته، ومع ذلك يطالب بالمزيد، وهي خطة وضعها الحوثي، بانتزاع الاعتراف الكامل من قبل الأمم المتحدة به كشرعية تمثل أبناء اليمن.

وعن خارطة القوى التي تسيطر على اليمن بعد ثماني سنوات من الانقلاب الحوثي، يضيف الطاهر “أعتقد أن موازين القوة تميل لصالح مجلس القيادة الرئاسي، وهو قادر على تحجيم ‘الاستعراض الحوثي’ الذي يرسل رسائل بأنه أصبح الوحيد المتواجد على الساحة والقادر على كسب المعركة، لكن الانشغال بقتال القاعدة في الوقت الحالي دون التنبه إلى أن القاعدة والحوثي متخادمان وينفذان عمليات مشتركة، قد يمثل خطورة كبيرة للمجلس، وربما قد تتحول هذه إلى حرب استنزاف، وعمليات إرهابية طويلة وكبيرة وخطيرة في المناطق المحررة”.

ويرى الباحث السياسي اليمني ماجد الداعري أن واقع اليمن أصبح اليوم منقسما بين نصف تابع لميليشيات إيران توجهه وتهدد فيه المنطقة وتبتز العالم أجمع سواء بالبحر الأحمر أو باب المندب، ونصف آخر ضائع لا هو حي يقاوم ولا هو ميت ينتظر الدفن بسبب الانقسام وتعدد القوى واختلاف الأهداف والأجندات التي تخص كل فريق وقوى من قوات الشرعية المفككة رغم كل الدعم العسكري الذي تلقته من التحالف وذهب كثير منه لصالح الميليشيات الحوثية بطرق مختلفة.

 

المصر العرب اللندنية