انهيار المؤسسات وفوضى السلاح يفاقمان ظاهرة الهجرة غير النظامية في ليبيا

وكالة أنباء حضرموت

 منذ نهاية الحرب الباردة شهد العالم مجموعة كبيرة من التغيرات التي كان أبرزها تطور المفاهيم المرتبطة بالأمن القومي، لما لها من أهمية كبيرة في تأثيرها على الإنسان والعمران ونهضة الدول، حيث برزت ضرورة ملحّة لإعادة النظر في مرتكزات وخصائص الأمن القومي، ومستويات تحليله ومن ثم تم رسم خارطة جديدة للمسار الأمني تتضمن مفاهيم جديدة مثل الأمن الإنساني كإطار لتحليل وتفسير ما يشهده العالم من أحداث وظواهر.

ومن هنا جاء الحديث عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية كتهديد أمني جديد، إذ بدأت تأخذ مكانة في السياسات الداخلية والعلاقات الدولية بصورة كبيرة بعد نهاية الحرب الباردة باعتبارها ظاهرة عابرة للأقاليم تهدد أمن واستقرار دول العالم المختلفة وأمن واستقرار ليبيا بصفة خاصه، وتعد الهجرة غير الشرعية إحدى المسائل المطروحة في أجندة الأمم المتحدة بعدما تم إدراجها ضمن الملفات الأمنية التي تجب معالجتها.

وانطلاقا من هذه الرؤية تأتي أهمية دراسة الدكتورة ندا جمال حرحور الباحثة في العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، “ليبيا والهجرة غير الشرعية وأثرها على الأمن القومي” التي تناولت الهجرة غير الشرعية، وأثرها على الأمن القومي الليبي، وذلك في ظل انتشار معدل الجريمة والسرقة والخطف والاتجار بالبشر والإرهاب وجميعها قضايا تتعلق بالأمن القومي الليبي بمستوياته المختلفة، وعلى المستوى الإقليمي يتعلق بالأضرار التي لحقت ببعض الدول الإقليمية نتيجة تسلل عدد من اللاجئين والإرهابين إليها عبر الأراضي الليبية، وهو ما ساهم في زيادة الاهتمام بهذا الموضوع من خلال تحليل العلاقة بين ظاهرة الهجرة والأمن القومي الليبي، لاسيما أن ليبيا دولة مستقبلة للهجرة غير الشرعية من جانب الدول الأفريقية ودول جنوب الصحراء، ومن ناحية أخرى فهي دولة مصدرة للمهاجرين إلى الدول الأوروبية شمال المتوسط.

الباحثة ندا حرحور ترى أن ليبيا والنيجر من أهم بوابات عبور المهاجرين غير النظاميين تجاه سواحل إيطاليا وإسبانيا ومالطة

وترى حرحور في دراستها الصادرة عن دار العربي إن تطور الأوضاع في دول المنطقة العربية منذ عام 2011، سواء في شكل انتفاضات أو ثورات أو صراعات داخلية، أدى إلى ارتفاع معدل الهجرة من تلك الدول إلى دول أوروبا الغربية، حيث تسببت الصراعات المسلحة بعدد من الدول العربية في بروز الهجرة القسرية خوفا من القتل أو الأعمال الإرهابية والعنف المنتشر في تلك البلاد، ناهيك عن أن هذه الأزمات أو الصراعات المسلحة كانت أحد أهم أسباب توقف التنمية بتلك الدول، مما أثر سلبا على الأوضاع الاقتصادية للشباب ودفعهم إلى الهجرة غير الشرعية من أجل كسب المال، وهو ما يجسد الموجة الثالثة التي ساهمت في تصاعد الجدل على المستوى النظري حول ظاهرة الهجرة، وهل من الأجدى أمننتها أو بمعنى آخر ربطها بالأمن أم من الأفضل تفكيك تلك الأمننة والبحث عن مداخل أخرى لتأثيراتها؟ وفي هذا الإطار تأتي “مدرسة كوبنهاغن” كأحد المداخل النظرية التي يمكن من خلالها تفسير هذه الظاهرة، فبرغم أنها لا تقدم تحليلا خاصا يربط بين الهجرة والأمن، إلا أنها قدمت اقترابا مبتكرا داخل الدراسات الأمنية له أهميته في توسيع أجندة الدراسات الأمنية بما يمكن من خلالها دراسة العلاقة بين ظاهرة الهجرة والأمن القومي بمختلف مستوياته.

وتضيف أن ليبيا تعتبر دولة مصدر في ظل انتشار حالة الفوضى وكذلك الميليشيات والجماعات الإرهابية بالأراضي الليبية، وهو ما أدى إلى بروز ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب الليبي كنتيجة طبيعية للصراع الدائر في ليبيا، كما تعد دولة عبور لبعض المهاجرين الأفارقة الطامحين للوصول إلى الاتحاد الأوروبي وفي الوقت ذاته هي دولة مقصد لبعض المهاجرين الأفارقة.

وتوضح “هكذا أصبحت ليبيا دولة جذب للمهاجرين إليها من دول الجوار الأفريقي لعدم تطبيق القوانين الليبية الرادعة للمهاجرين غير الشرعية، بالإضافة إلى صعوبة مراقبة حدودها البرية والبحرية، ويؤكد على ذلك ما أشار إليه تقرير المنظمة الدولية للهجرة بأن عدد الأجانب المقيمين في ليبيا بصورة غير مشروعة يتجاوز 612222 نسمة وبنسبة 32 في المئة من إجمالي السكان، ومن أهم الأسباب التي تجعل ليبيا منطقة جذب للمهاجرين غير الشرعيين هو موقعها الجغرافي، حيث تقع على سواحل البحر المتوسط شمال أفريقيا، ويبلغ طول الساحل الليبي قرابة 1122 كم، ويبلغ طول حدودها الشرقية مع مصر والسودان قرابة 1432 كم، ويبلغ طول حدودها مع تشاد والنيجر 1352 كم جنوبا، بالإضافة إلى أن طول حدودها الغربية مع تونس والجزائر يبلغ 1015 كم، ناهيك عن تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها ليبيا في فبراير 2011، والتي أدت إلى الانفلات الأمني وعدم مراقبة حدود الدولة مع دول الجوار، وهو ما ساهم في زيادة أعداد المهاجرين غير الشرعيين كدولة عبور أو استقبال لهم”.

ظاهرة الهجرة غير الشرعية بدأت تأخذ مكانة في السياسات الداخلية والعلاقات الدولية بصورة كبيرة بعد نهاية الحرب الباردة

وتشير حرحور إلى أن الهجرة غير الشرعية من ليبيا إلى الدولة الأوروبية قد تفاقمت عقب ثورة ليبيا 2011، حيث وصفت الحدود الليبية بالحدود الرخوة، نتيجة الأزمات الداخلية وعدم سيطرة الدولة الليبية على كامل حدودها، فحالة عدم الاستقرار الأمني عقب الثورة جعلت منها دولة مصدر ومستقبل وعبور، فقد تبع سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا انهيار شبه كلي لمؤسسات الدولة الليبية، ووقعت ليبيا تحت سيطرة الميليشيات المسلحة التي حاربت القذافي، وهو ما نتج عنه غياب دور المؤسسات الأمنية والعسكرية مما جعل السنوات التي أعقبت سقوط النظام السابق في ليبيا تتسم بعدم الاستقرار والانفلات الأمني وتحولت معها ليبيا إلى وجهة مفضلة للهجرة غير الشرعية تجاه أوروبا نظرا إلى قربها من السواحل الأوروبية، وجدير بالذكر هنا أن ليبيا كانت قد تمكنت قبل ثورتها من خفض عدد المهاجرين غير الشرعيين حيث وصل عددهم في عام 2010 إلى 234 مهاجرا.

وتلاحظ أن ليبيا والنيجر من أهم بوابات عبور المهاجرين غير الشرعيين تجاه سواحل إيطاليا وإسبانيا ومالطة، ودول جنوب أوروبا بصورة عامة، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى أن يقيم شراكات بهدف الحد من موجات الهجرة غير الشرعية، وفي هذا السياق استغلت التنظيمات الإرهابية كتنظيم داعش حالة عدم الاستقرار الأمني في ليبيا وقامت بتسهيل دخول المهاجرين غير الشرعيين واستخدامهم في أعمالها التخريبية في ليبيا، لذلك تعاملت الأجهزة الأمنية الأوروبية بتخوف وتوجس من التداعيات السلبية الناتجة الهجرة غير الشرعية. وعلى الصعيد الإنساني يواجه الكثير من المهاجرين غير الشرعيين أثناء عبورهم البحر إلى أوروبا الموت حيث يلاقون حتفهم أويُحجزون في حالة نجاتهم في ملاجئ إيطاليا واليونان وربما تركيا، حيث تنظر دول الاتحاد الأوروبي إلى المسألة من زاوية أمنية بحتة ولا تهتم بالجانب الإنساني لها. كما أن الوضع في ليبيا ما دام منقسما بين حكومتين فإن هذا الاستقطاب سيدفع بهذا الملف إلى المزيد من التعقيد.

وتلفت حرحور إلى أن المهاجر غير الشرعي حتى يصل إلى أوروبا عبر ليبيا يمر بثلاث مراحل رئيسية وهي، المرحلة الأولى مرحلة تجميع المهاجرين غير الشرعيين وتتم في بعض المناطق وهي (منطقة القرن الأفريقي، ومنطقة الساحل الأفريقي: (النيجر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا والكاميرون)، ومنطقة المغرب العربي: (المغرب والجزائر وتونس)، ومنطقة الشرق الأوسط: (سوريا وفلسطين ومصر والعراق واليمن)، ثم تبدأ بعد ذلك المرحلة الثانية، وهي الرحلة من المدن الحدودية بالجنوب والجنوب الغربي الليبي إلى مدن الشمال الساحلية، أما المرحلة الثالثة فيتم فيها تجميع المهاجرين في أماكن تجميع على الساحل الليبي في مزارع واستراحات في مدن الخمس والقربوللي وطرابلس وصبراتة وزوارة حتى يكتمل العدد لبدء رحلة قوارب الموت تحت إشراف الميليشيات المسلحة.

الصراعات المسلحة بعدد من الدول العربية تسببت في بروز الهجرة القسرية خوفا من القتل أو الأعمال الإرهابية والعنف المنتشر في تلك البلاد

وقد غلب الطابع الأمني على الجهود الأوروبية الهادفة إلى الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر السواحل الليبية، وقد برز ذلك من خلال توقيع الطرف الأوروبي العديد من الاتفاقيات التي تعزز من قدرات ليبيا على حماية حدودها من تدفقات المهاجرين غير الشرعيين. وبالرغم من وجود اتفاقيات دولية وغيرها قد وقعت عليها الأطراف الليبية إلا أن حالة عدم الاستقرار الأمني التي تعاني منها ليبيا جعلها ساحة للهجرة غير الشرعية.

وتتابع أن مواجهة الهجرة غير الشرعية في ليبيا لم تكن على الصعيد الدولي فقط بل أيضا اتخذت الدولة الليبية عددا من الإجراءات، إذ أفرد المشرع الليبي مجموعة من التشريعات الداخلية، لتصبح بذلك الهجرة غير الشرعية إحدى الجرائم التي تتوجب مكافحتها من قبل أجهزة الشرطة المختصة، ولعل أبرز تلك التشريعات هو القانون رقم 6 لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها وتعديلاته، والقانون رقم 19 لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي اكتفت بالغرامات المالية في أغلب حالات القانون أو الحبس في البعض الآخر.

وفي هذا السياق اتخذت الدولة الليبية عددا من الإجراءات الأمنية لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية لعل أبرزها هو إنشاء جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا عام 2014، فضلا عن إنشاء مراكز لإيواء المهاجرين غير الشرعيين تتوافر فيهـا الإعاشة والرعاية الصحية بعد ضبطهم، ومن ضمن الجهود الأمنية التي تنتهجها السياسة الليبية هو استحداث إدارات جديدة داخل أجهزة الدولة الأمنية تكون مختصة بمكافحة هذه الظاهرة، ناهيك عن جهاز مكافحة التسلل والتهريب الذي أنشئ في عام 2020 بالقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية.

ورغم هذه الآليات ودورها للحد من هذه الظاهرة، إلا أن تنفيذها يواجه بعض المعوقات، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب من أهمها حالة عدم الاستقرار الأمني والتي أدت إلى ازدياد تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا بشكل ملحوظ في الفترة ما بعد عام 2011.

كل الاتفاقيات المبرمة بين ليبيا وغيرها من الدول الأوروبية التي تعالج موضوع الهجرة غير الشرعية، جاءت متوافقة مع سياسة المشرعين الليبي والدولي بخصوص مكافحتها

وإجمالا، من خلال مطالعة حرحور ورصدها لنمط السلوك الليبي في التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية وأيضا التعامل الأوروبي مع الظاهرة، نجد أن بعد عرض الجهود الأوروبية الرامية إلى الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر السواحل الليبية، والتي غلب عليها الطابع الأمني من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات التي تعزز من قدرات ليبيا على حماية حدودها من تدفقات المهاجرين غير الشرعيين، اتضح أن ملف الهجرة غير الشرعية سيظل ملفا حساسا على المستويين المحلي والدولي، فأزمة الهجرة في ليبيا ليست سوى نتيجة لانهيار مؤسسات الدولة وفوضى السلاح، ومن ثم، فإن التوجه إلى إيجاد حل للأزمة السياسية في ليبيا من المرجح أن يقلل من تدفقات المهاجرين. وقد تتحول ليبيا، على إثره، من بلد عبور تنشط فيه شبكات التهريب والاتجار بالبشر إلى بلد استقبال للعمالة التي تحتاج إليها ليبيا الغنية بالإمكانيات. كما يجب على المجتمع الدولي الذي تغيرت سياساته بمجرد تغيير النظام في عام 2011 أن يبذل جهدا حقيقيا لمساعدة ليبيا في إرساء قواعد دولة حديثة وتفعيل مؤسساتها الإدارية والمالية والأمنية على النحو الأمثل.

وبناء على ذلك، تؤكد حرحور أن المعالجة الجذرية لأزمة الهجرة في ليبيا تتطلب إستراتيجية أوروبية موحدة، تتوجه بالأساس نحو دعم حكومة مركزية في ليبيا حتى تكون قادرة على ضبط الأمن والاستقرار، ودعم عملية بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، ومساعدة السلطات الليبية في جمع سلاح الميليشيات المنتشرة في المدن والبلدات الليبية، وإصلاح قطاع القضاء والعدل وإصدار تشريعات وقوانين في مجال الهجرة واللجوء تأخذ في الاعتبار احترام حقوق المحتجزين، والعمل على تحسين الظروف المعيشية للمهاجرين وللمحتجزين في مراكز الإيواء. كما أن هناك ضرورة للتنسيق مع دول الجوار الجغرافي وتعزيز التعاون فيما بينها في مجال مكافحة الهجرة والحد من شبكات الاتجار بالبشر وتهريب السلاح التي باتت عابرة للدول، كما يجب أن يكون هناك دور لكبريات الشركات العالمية من خلال العمل على إنشاء استثمارات لها في الدول المصدرة للهجرة مثل ليبيا لاستيعاب الأيدي العاملة للقضاء على الفقر والجهل والمرض المنتشر بين مواطني تلك الدول، فهم الذين يشكلون وقود الهجرة غير الشرعية.

وتخلص إلى أن كل الاتفاقيات المبرمة بين ليبيا وغيرها من الدول الأوروبية التي تعالج موضوع الهجرة غير الشرعية، جاءت متوافقة مع سياسة المشرعين الليبي والدولي بخصوص مكافحتها، حيث شكلت الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا حلقة وصل بينهما لإبرام العديد من الاتفاقيات لمكافحة ومعالجة الآثار الناجمة عنها والعمل على إيجاد حلول مناسبة للأسباب المؤدية لها، خاصة أن هناك مجموعة من المخاطر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تتمثل في ارتفاع معدلات الجرائم المزعزعة لاقتصادات الدول، فضلا عن انتشار جرائم التزوير والنصب والاحتيال والسرقة والقتل والسحر والتسول وغيرها من الجرائم، وإذا لم يتم علاج المشكلة اجتماعيا واقتصاديا بتعاون إرادة مشتركة من الجميع، فإن المشهد سيكون معقدا وخطيرا للغاية وهو الانفلات الأمني الذي يمكن أن تشهده بعض الدول وعدم الاستقرار الاجتماعي الذي يؤدي إلى كوارث اجتماعية، وكوارث سياسية.